المقريزي

447

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وذلك أنّ الشّرائع إنّما أنزلها اللّه تعالى لعدم استقلال العقول البشريّة بإدراك حقائق الأشياء على ما هي عليه في علم اللّه . وأنّى لها ذلك وقد تقيّدت بما عندها من إطلاق ما هنالك ؟ فإن وهبها علما بمراده من الأوضاع الشّرعية ، ومنحها الاطّلاع على حكمه في ذلك كان من فضله تعالى . فلا يضيف العارف هذه المنّة إلى فكره ، فإنّ تنزيهه لربّه تعالى بفكره يجب أن يكون مطابقا لما أنزله سبحانه على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلم من الكتاب والسّنّة . وإلّا فهو تعالى منزّه عن تنزيه عقول البشر بأفكارها ، فإنّها مقيّدة بأوطارها ، فتنزيهها كذلك مقيّد بحسبها وبموجب أحكامها وآثارها - إلّا إذا خلت عن الهوى ، فإنّها حينئذ يكشف اللّه لها الغطاء عن بصائرها ، ويهديها إلى الحقّ . فتنزّهه تعالى عن التّنزيهات العرفيّة بالأفكار العادية . وقد أجمع المسلمون قاطبة على جواز رواية الأحاديث الواردة في الصّفات ونقلها وتبليغها ، من غير خلاف بينهم في ذلك . ثم أجمع أهل الحقّ منهم على أنّ هذه الأحاديث مصروفة عن احتمال مشابهة الخلق ، لقول اللّه تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الآية 11 سورة الشورى ] ولقول اللّه تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [ الآيات 1 - 4 سورة الإخلاص ] وهذه السّورة يقال لها : سورة الإخلاص . وقد عظّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم شأنها ، ورغّب أمّته في تلاوتها حتى جعلها تعدل ثلث القرآن من أجل أنّها شاهدة بتنزيه اللّه تعالى ، وعدم الشّبه والمثل له سبحانه . وسمّيت « سورة الإخلاص » ، لاشتمالها على إخلاص التّوحيد للّه عن أن يشوبه ميل إلى تشبيهه بالخلق . وأمّا الكاف التي في قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فإنّها زائدة . وقد تقرّر أنّ الكاف والمثل في كلام العرب أتيا للتّشبيه ، فجمعهما اللّه تعالى ، ثم نفى بهما عنه ذلك . فإذا ثبت إجماع المسلمين على جواز رواية هذه الأحاديث ونقلها ، مع إجماعهم على أنّها مصروفة عن التّشبيه ، لم يبق في تعظيم اللّه تعالى بذكرها إلّا نفي التّعطيل ، لكون أعداء المرسلين سمّوا ربّهم سبحانه أسماء نفوا فيها صفاته العلا . فقال قوم من الكفّار : هو طبيعة ، وقال آخرون منهم : هو علّة ، إلى غير ذلك من إلحادهم في أسمائه سبحانه . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هذه الأحاديث المشتملة على ذكر صفات اللّه العلا ، ونقلها عنه أصحابه البررة ، ثم نقلها عنهم أئمّة المسلمين . حتى انتهت إلينا ، وكلّ منهم يرويها بصفتها من غير تأويل لشيء منها ، مع علمنا أنّهم كانوا يعتقدون أنّ اللّه سبحانه وتعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الآية 11 سورة الشورى ] ففهمنا من ذلك أنّ اللّه تعالى أراد - بما نطق به رسوله صلّى اللّه عليه وسلم من هذه الأحاديث ، وتناولها